الشيخ محمد النهاوندي
7
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
بِالْقَوْلِ إذا كلمتموه « 1 » وكلّمكم كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ بصوته عند مخاطبتكم لِبَعْضٍ آخر ، بل أجعلوا أصواتكم عند مكالمته أخفض من صوته ، مراعاة لجلالته وعظمته ، كما هو الدأب في مخاطبة العبد الذليل لسيده العظيم المهيب كراهة أَنْ تَحْبَطَ وتبطل أَعْمالُكُمْ فانّ عدم الاعتناء بشأن النبي صلّى اللّه عليه وآله وتحقيره مؤدّ إلى الارتداد الموجب لردّ الأعمال وعدم قبولها وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ بأنّ مخالفة هذا النهي مؤدّ إلى الكفر حبط الأعمال . روى بعض العامة عن ابن عباس : أنّها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، فانّه كان في اذنيه وقرّ ، وكان جهوري الصوت ، وربما كان يكلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فيتأذّى بصوته « 2 » . وعن أنس : أنّه لمّا نزلت هذه الآية فقد ثابت ، فتفقّده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فأخبر بشأنه ، فدعاه صلّى اللّه عليه وآله فسأله ، فقال : يا رسول اللّه ، لقد أنزلت إليك هذه الآية ، وإنّي رجل جهير الصوت ، فأخاف أن يكون عملي قد حبط . فقال : « لست هناك ، إنّك تعيش بخير ، وتموت بخير ، وإنّك من أهل الجنّة » « 3 » . قيل : إنّه قتل شهيدا يوم مسيلمة الكذّاب « 4 » . وقيل : إنّ الفرق بين النهيين ، أنّ النهي عن رفع الصوت فيما إذا تكلّمتم وتكلّم النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فعلى المؤمنين أن لا يبلغوا بأصواتهم فوق الحدّ الذي يبلغ إليه صوت النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وأن يغضّوا من أصواتهم بحيث يكون صوت النبي عاليا على أصواتهم ، والنهي عن الجهر فيما إذا كلّمه المؤمنون وهو ساكت ، فنهي المؤمنين عن أن يبلغوا بالجهر في القول الجهر الدائر بينهم ، بل يجب عليهم أن يلينوا القول لينا يقارب الهمس « 5 » . وعن الكاظم عليه السّلام : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا قدم المدينة ، وكثر حوله المهاجرون والأنصار ، كثرت عليه المسائل ، وكانوا يخاطبونه بالخطاب العظيم الذي لا يليق به ، ولذلك قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ . . . الآية وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بهم رحيما ، وعليهم عطوفا ، وفي إزالة الآثام عنهم مجتهدا ، حتى إنّه كان ينظر إلى من يخاطبه ، فيعمد على أن يكون صوته مرتفعا على صوته ، ليزيل عنه ما توعّده اللّه من حبط أعماله ، حتى إنّ رجلا أعرابيا ناداه يوما من خلف حائط بصوت جهوري : يا محمد ، فأجابه بأرفع من صوته ، يريد أن لا يأثم الأعرابي بارتفاع
--> ( 1 ) . في النسخة : تكلمتموه . ( 2 ) . جوامع الجامع : 456 ، تفسير روح البيان 9 : 64 ، تفسير الصافي 5 : 47 . ( 3 ) . جوامع الجامع : 456 ، تفسير روح البيان 9 : 65 ، تفسير الصافي 5 : 48 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 65 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 9 : 64 .